Archives

All posts for the month November, 2012

New Castle

Published November 26, 2012 by Dalia Hazem

..” ماذا قلت لتوك؟” .. قالها بصوت منخفض و ببطء لا يخلو من نبرة تهديد و وعيد ،يخفي خلفها اختلال ثقته بنفسه ، بعدما بدأ يصحو قليلا من سكره .

_ ” قلت ُ ما سمعته بالضبط .. قلت : ماذا تعرف أنت عن البشرية كي تتحدث عنها ؟ .. أنت لا تنتمي إليها أصلا كي تفهم ما هي .. أنت زائد عليها  .. و في حال لم تكن تعرف : لا قيمة لك! ” ، كانت نبرة صوتها تعلو أكثر فأكثر مع بداية كل جملة في وصلة التوبيخ تلك و أخذ انفعالها يشتد شيئا فشيئا  .. تلاحقت دقات قلبها .. تسارع نبضها  .. انت من الكلام و ظلت تنظر إليه بعدما تسارع تنفسها هو الآخر حتى أصبح مسموعا .. انهت كلامها و ظلت واقفة تنظر إليه بقفص صدري يعلو و يهبط بحركات متسارعة  .. أصابه الذهول ؛ فظل معقود اللسان للحظات قليلة بعدما أيقظته وصلة التوبيخ تلك أكثر و أكثر . حدً ق فيها  . ظل ينظر إليها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها .. “ما الذي حدث للتو ؟ .. كيف تجرأت على فعل ذلك ؟ ” .. فكر في نفسه .. كان يحدق فيها حانقا عليه و مذهولا من جرأتها التي ظهرت من اللامكان .

وقف كلاهما يقصف الآخر بنظرات لها من المعاني الكثير .. هي  تتحداه و تتصدى له للمرة الأولى منذ خمس سنوات .. و هو .. يقف أمامها مشتت بين “الهزة الداخلية” التي أحدثت صدعا في عمود طبيعته الذكورية الزائفة و بين تردده في الرد  عليها من عدمه .. لابد أن يرد .. لا يمكن له أن يسمح لأمر كهذا بأن يمر مرور الكرام .. إن تركها دون عقاب ، ستزداد جرأتها شيئا فشيئا و لن يستطيع ردعها.

لابد من عقب .. “فلتظل واقفا هاك في مكانك .. بلا فائدة ترجى منك .. صفرا على الشمال .. لا عمل لك .. لن أتلقى أوامر بعد الآن .. و لن (ترددت بعض الشئ عندما رأت عينيه تتقدان من الغضب ، لكنها استجمتعت قوها و استطردت) .. و لن أعمل لدى إليوت بعد الآن ؛ يكفيه شخص واحد  من العائلة البائسة نفسها (تقصد روبنسون) .. استأنف أنت عملك عنده إن أردت . و حتى لو لم ترد ، لا يهمني ذلك بعد الآن “

التفتت بعد ذلك  و بدأت تسير ببطء في اتجاه غرفة روبرت و هي تشعر بنشوة من  ينهل بشوق من رحيق الانتصار بعد طول هزيمة ..

Advertisements

نيوكاسل – جديد

Published November 23, 2012 by Dalia Hazem

فجأة عاد صوته للحياة مجددا في أذنيها و عادت تسمع ترهاته مجددا ؛ إلا أنها لم تع منها شيئا .. بل لم يكن يهمها أن تعيها .. فقد وصلت قوة احتمالها إلى أقصاها و ما عادت تقدر على تحمل المزيد .

-” .. وقوفك أمامي هكذا مصدر إزعاج لي .. رؤيتك كل يوم تتجولين في أرجاء بيتي الذي دفعت أنا إيجاره (كان هذا الكلام عن أول و آخر إيجار دفعه للشقة .. و كان كثيرا ما يتباهى بذلك على اعتبار أنه وضع بذلك حجر أساس “سجن الزوجية التعيسة” ، و لكن بدءا من الإيجار الثاني تولت فلورا تسديد الإيجار)  .. أتعرفين ؟؟ .. لست مصدر إزعاج لي وحدي .. فوجودك مصدر إزعاج للبشريــ  .. هئ (أصابه فواق مؤقت) للبشرية كلها .. أجل .. مصدر إزعاج للبشريــ .. ” .. و كأن الجملة الأخيرة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير .. و كأنها كانت العصا التي دقت ناقوس الغضب داخلها و استحثتها على النطق .. على الدفاع عن نفسها .. على الوقوف أمامه و لو لمرة واحدة ؛ فقاطعته فجأة :” ماذا تعرف أنت على البشرية كي تتحدث عنها ؟” .. قالتها بصوت عال .. واثق .. واضح .. لم يتخيل لوهلة أنها من الممكن أن تقاطعه أو أن تتحدث أمامه بمثل هذه الثقة ..ظن لوهلة أنه أفرط في الشراب هذه الليلة ؛ فتخيلها تتحدث أمامه بهذه الطريقة .. و بما أنه مازال مهووسا بالسيطرة عليها ، لم يقتنع أنها قد قالت لتوها مثل هذا الكلام .. بل مازال يقنع نفسه بأنه صاحب اليد العليا في هذا المنزل الذي لا يدفع إيجاره حتى ..” ماذا قلت لتوك؟” .. قالها بصوت منخفض و ببطء لا يخلو من نبرة تهديد و وعيد ،يخفي خلفها اختلال ثقته بنفسه ، بعدما بدأ يصحو قليلا من سكره .

نيوكاسل (من المقدمة و حتى آخر ما نشر منها

Published November 23, 2012 by Dalia Hazem

Image

 

المقدمة

 

عندما تتجاوز مرحلة الطفولة و المراهقة و تتخطى مرحلة الدراسة الجامعية كي تدخل في دوامة الحياة العملية ، تدرك فجأة أن الأوضاع لم تعد كما كانت في السابق و أن كل ما اعتدت أن تنتظر حتى يأتي إليك راكعا قد أصبح إما عجوزا لا يقوى على السير إليك أو متعجرفا يأنف أن ينزل من عليائه كي يرسم ابتسامة بلهاء على وجهك بقدومه إليك .. الأمر سيان في الحالتين؛ لأنك مضطر لإقامة حفل توديع لحالة الكسل التي طالما تسكعت بين ثناياها قبل أن تصطدم بما يسمى “العمل” .. عليك أن تدرك أن “حفل” الوداع هذا ربما يكون يكون آخر احتفال تقيمه طواعية في حياتك؛ لأنه من الآن فصاعدا عليك أن تحزم أمتعتك ذهابا إلي كل ما كان يأتي إليك في السابق.

داليا حازم
الأحد
1 – 7 – 2012 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول :

لم تعد القاهرة كما كانت في الماضي .. الازدحام أصبح خانقا .. و عوادم السيارات صارت رغما عن المارة عطرا آخاذا “للأرواح” .. و نسبة أول أكسيد الكربون آخذة في الارتفاع .. و ثقب الأوزون مازال يتسع .. و مصر ذات الجو المعتدل صيفا و شتاءا لم تعد بمنأى عن ظاهرة الاحتباس الحراري العالمية ؛ و لهذا أصبح أهالي بنت المعز يعرفون شعور رغيف الفينو في الميكرويف أو شعور رغيف البلد في فرن عم أحمد .. صارت حرارة الجو المرتفعة لا تحتمل .. و لكن الفكرة المرعبة هي أن الأسوأ لم يأت بعد .. و الثقب آخذ في الاتساع .. اتساع يقابله ضيق في خُلْق البشر !!

————-

إن كنت تعمل في إحدى الشركات الخاصة التي تحقق مكاسب لا بأس بها فإن التصدي للحر الشديد سيكون آخر ما عليك أن تقلق بشأنه ؛ فأجهزة التكييف المتناثرة في كل حجرة من حجرات الشركة كفيلة بالقضاء على حرارة الجو المرتفعة مطلقة حرارتها الذاتية إلى خارج المبنى و مساهمة بذلك في زيادة “الولعة” على المواطنين المساكين السائرين في الشارع المكتظ كعادته بسيارات نحلت الطبقة العليا من الأسفلت و أحالت لونها من أسود عادي إلى أسود حالك كاحل غامق !!

أمام أحد العمارات القابعة بشارع هادئ من شوارع الزمالك – و على غير العادة – كان هناك مكان واحد خال لركن سيارة هيونداي ماتريكس سوداء اللون .. كادت أروى تصاب بسكتة قلبية فرحا بعثورها على هذا المكان .. سارعت بركن سيارتها الهيونداي تلك .. اوقفت المحرك .. نظرت إلى المقعد الخلفي .. مدت يدها لتسحب “شلبية” ثم أخدت حقيبة يدها من على المقعد المجاور لها و نزلت من السيارة و اتجهت إلى باب العمارة و هي تنظر إلى ساعة يدها كي تبتسم بعد ذلك فرحا بأنها وصلت مبكرا بنصف ساعة تقريبا بعد أن وجدت مكانا تركن فيه السيارة بسرعة .

– صباح الخير يا عم عوض !
-صباح الخير يا بشمهندسة !
-يسمع من بؤك ربنا .. قالتها و ابتسمت متذكرة كل محاولتها المستميتة السابقة أن تشرح لعم عوض بواب العمارة أنها مترجمة و ليست مهندسة .. خاصة و أنها كانت أدبي في ثانوية عامة .. و لكنها رضيت في النهاية بقدرها الهندسي الذي فرضه عليها عم عوض ؛ و على أي حال من منا لا يحب أن ينال لقب المهندس دون أي مؤهلات سابقة بل و رغم فشله في إجراء عمليه حسابية بسيطة يعرف بها كم بقى له عند البقال !! ثم أنها ليست الأولى التي توصف بلقب لا يمت لوظيفتها بصلة لأن المهندس نفسه في بلادنا يلقب بالدكترة !!

صعدت الدرج بمرونه و سرعة إلى الطابق الرابع .. و الدافع وراء أخذها للدرج رغم وجود مصعد هو شيئان .. الأول مقولتها الشهيرة التي طالما استفزت صديقاتها : ” دي رياضة” رغم أنها لا تمارس حتى رياضة بلي مسافات قصيرة و الثاني هو خوفها من المصعد بشكل لا يمكن حتى وصفه بالطفولي ؛ لأن أصغر طفل في أطول عمارة بإمكانه استعمال المصعد عشرات المرات يوميا إما لاحضار طلبات للوالدة من عند البقال أو للعب الغميضة مع باقى أطفال العمارة !!

ما هي إلا دقائق حتى وجدت نفسها واقفة أمام باب الشركة التي تعمل بها .. “ترجم لخدمات التعريب” .. نظرت لساعتها مرة أخرى رغم أنه لم تمض دقائق على النظرة السابقة أمام باب العمارة ..و لكنه نوع من الهوس الذي لا تعرف له علاجا .. هوس بمعرفة كم تبقى لها من الوقت و كم ينبغي عليها أن تنتظر حتى و إن لم يكن هناك ما تنتظره.. فهي تنظر أحيانا لساعتها على غير هدى و بلا هدف .. تنظر أحيانا كثيرة دون تركيز فترفع رأسها و ما علمت كم الساعة ؛ لأن الأمر صار بالنسبة لها عادة هي أسيرة لها أو بمعنى أدق عبدة .. تنفذ ما تمليه عليها هذه العادة معظم الوقت دون تفكير مثلها في ذلك كمثل ضعيف البصر الذي يرتدي النظارات حتى تصبح عضوا من أعضاء و جزءا لا يتجزأ من أجزاء وجهه.. يصبح تدريجيا مقيدا بها و لا يتحرك من دونها و إذا استيقظ تحسس وجهه بيده بحثا عنها فسرعان ما يدرك أنه كان نائما و النائم لا يرتدي النظارة !! .. هكذا الحال بالنسبة لأروى .. فهي مقيدة أو أسيرة أو عبدة لساعاتها .. سمها كما شئت .. فيه تنظر في ساعتها دوما .. حتى إنها ترفع في بعض الأحيان معصم يدها لتنظر في ساعتها فتتذكر عندما تراه أنها لا ترتدي ساعه الآن .. تتعصب بشده حين تكتشف أنها نسيت ساعتها أو أن السر الإلهي قد نفذ و نفذت معه بطاريات الساعة فتوقفت عقاربها عن العمل في منتصف النهار .. و كأن الوقت كله يسير وفقا لساعتها .. إن مضت عقاربها في طريقها مضى الوقت و إن توقفت ، و إن أعلنت العقارب إضرابها عن الحركة توقف العالم أجمع .. غريب هو هذا الاعتقاد .. عالم بأكمله يسير وفقا لساعة إحدى ساكناته !!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل التاني :

في ليلة باردة من شتاء عام 1984 جلست في حانة متواضعة منf حانات نيو كاسل أبون تاين على طاولة صغيرة بمعقدين إلى جانب نافذة زجاجية كبيرة مطلة على الشارع .. كان وجهها موجها ناحيتها .. و بخار الماء الناتج من تنفسها الميت قد تجمع عليها مكونا غيمة ضبابية صغيرة على الزجاج .. كان يخيل لمن يراها من خارج الحانة أنها تتفحص المارة .. و ما يعلم أنها لا ترى من ذلك شيئا .. بل لا ترى مما حولها في تلك اللحظة شيئا .. كل ما تراه هو شريط السنوات الأربعة المنقضية من عمرها .. سنوات الذل المتكرر .. تلك التي أفقدتها إحساسها بأنوثتها .. برقتها .. قتلت المرح فيها .. و سلبتها كرامتها .. بل و سحبت الروح من جسدها ببطء و ألما كما فرع من الأشواك يُسحب من قماشة صوفية ..تنفسها الميت .. مازلت تتنفس لكنها صارت ميتة .. على الأقل بالنسبة لنفسها .. فحياة كحياتها فرضت عليها هذا الموت الحي !! جلست على تلك الطاولة و جعلت تتحسس بيدها عينها اليسرى التي أخفتها و رفيقتها اليمنى تحت نظارة سوداء رغم أن الظلام كان قد حل على المدينة كلها .. لم ترغب أن يرى أحد تلك الهالة الزرقاء المحيطة بعينها .. و التي جعلتها تبدو كما لو كانت قد خرجت من معركة “شوارع” .. لقد خرجت بالفعل هذا المساء من معركة .. معركة صارت معتادة عليها .. تتكرر من حين لآخر حتى صارت هي نفسها تتعجب إن حان وقت المعركة و لم تقع !! وقعت معركة هذا باكرا هذا اليوم .. أمر معتاد .. بل و أمر معتاد أن تخرج هي منها مهزومة .. و أحيان كثيرة “مضروبة” .. و مصابة بكدمة ما أو بكدمات في مكان ما من جسدها .. !!

كانت تكتفي بعد كل معركة بالانزواء في ركن حجرة روبرت و تحاول بائسة تضميد ما خلفته المعركة من آثار على جسدها و هي تبكي و تبكي و قد جلس بجانبها صغيرها ينظر إليها حزينا عليها مواسيا إياها .. لا يملك شيئا غير أن يمسح بيديه الصغيرتين على رأسها ثم يمسح دموعها المنهمرة .. كي يجفف دموعع بعدها بذات اليد الصغيرة فتمتزج دموع أمه بدموعه .. اعتادت أن تنظر إليه و هو يمسح عينيه بكفيه فتشعر بالشفقة على هذا الصغير الذي كتب عليه عليه أن يعيش حياة ميته في كنف أب لا بعرف التفاهم طريقا إلى عقله .. اعتادت ان تنظر إليه و هو يمسح عينيه بعدما بكى حزنا عليها هي أمه .. فتتحرك مشاعر الأمومة في خلايا جسدها و ثنايا عقلها و جنبات قلبها ؛ فتجد نفسها رغما عنها تبتسم له ابتسامة ذات معنى .. “لا بأس .. أنا بخير” .. ابتسامة قد عرفت طريقها وسط نهري الدموع اللذين كادا يحفران خندفين على خديها من طول ما بكت .. ثم ترفع يدها و تمسك بيد الصغير روبرت و تضمها برفق .. ثم تقبلها و عيناها الباسمتان ما فارقتا عينيه البريئتين 

– ” هل لاحظت أن دموعنا قد امتزجت ببعضها البعض؟ ” قالتها و هي تحاول اصطناع حماس مبتهج .. فهز روبرت رأسه أن “نعم” .. اتخذت وضعية من يفكر بعمق ، فمطت شفتيها وثم نظرت بطرفي عينيها إلى اليمين بعدما قربت جفونها من بعضها البعض .. ثم نظرت لروبرت وقالت : “من المستحيل أن نفصل دموعي عن دموعك الآن .. و لهذا ستظل قطرات الدموع تلك مع بعضها البعض إلى الأبد .. لن يفرقها شئ أبدا ” 

ابتسم روبرت الصغير ذو الأربعة أعوام .. عندها تابعت أمه كلامها: “أنا و أنت مثل هذه القطرات .. اجتمعنا سويا .. وإلى الأبد .. و لن يفرقنا شئ !” .. ضحك ببراءة.. و صًق كلامها .. كان يصدقه في كل مرة تقوله .. فهي تقول له هذا الكلام مذ بدأ في نطق كلماته الأولى و دخل بهذا رسيما في عالم الناطقين و إن لم يكن قد فهم بعد كل ما تجود به ألسنة من حوله من سكان هذا العالم .. هي تقول و هو يصدق .. و ما علمت في كل مرة تقول فيها هذا الكلام أن يوما ما سيأتي مانحا إياها ضعفا أن ربما قوة -إن صح القول- تحملها على الرحيل بعيدا عن الصغير تاركة إياه وحيدا .. مشتتا .. لا يفهم لما افترق عنها بعدما علم أن قطرات الدمع لا تفترق !!

مازلت تلك الهالة الزرقاء حول عينها تؤلمها .. و لكن ألمها لا يقارن بالألم النفسي الذي يجلد ذاتها منذ خمس سنوات .. ذلك الألم الذي لم تعتقد يوما أنه سيكون من نصيبها ؛ فقد كانت تحلم دائما بحياة مثالية مع ذلك الرجل الذي أحبته .. و لكن حلمها كان سرابا في صحراء !! .. سراب جعلها تفكر : هل أحبته حقا .. هل أحبها هو .. أم أن الأمر برمته كان إعجابا أساء كلاهما فهمه .. و أخذته هي على محمل الجد ؟؟ .. محمل الجد .. لم يأخذ روبنسون هذا حياتها بعد الزواج على محمل الجد و لو لمرة واحدة .. كانت متعته هي محمل الجد الوحيد بالنسبه له .. إدمانه على الكحول الذي لم يظهر إلا بعد زواجها منه .. و سهره الدائم مع رفاقة مدمنى الكحول .. يسهر يوميا .. و يشرب .. و يمزح .. و يضحك .. و يسكر .. ثم يتقيأ .. و يعود بعد ذلك لكأسه مرة أخرى .. فيشرب و يشرب حتى يسقط مغشيا عليه في بعض الأحيان من كثرة الشرب ؛ فلا يلقى أصدقاؤه السكارى له بالا .. و يرحلون عنه كل إلى منزله – إن تذكر طريق العودة إلى من الأساس- و يبقى هو ملقى على الأرض أو على أي مقعد .. مغشيا عليه أو ربما نائما .. شاغرا فاه لدرجة قد تسمح لفأر صغير بأن يلج منه إلى داخل معدته بحثا عن بقايا طعام فيخرج يجر ذيل خيبته و قد قضت عليه الثمالة هو الآخر لأنه لم يجد بالداخل شيئا غير الكحول ؛ فأبى أن يخرج صفر اليدين و شرب منه .. فخرج يترنح و نام بجوار صاحبنا هذا الذي لم يكن هناك سبيل لإيقاظه سوى إغراقه بإناء من الماء البارد أو حتى الفاتر .. كان صاحب الحانة دائما ما يتولى هذه المهمة .. ليس حبا في هذا الروبنسون أو إشفاقا عليه و إنما رغبة منه في تفريغ الحانة من هذا الزبون الأخير لأن وقت إغلاقها قد حان .. يصب عليه إناء من الماء ؛ فيستيقظ من إغمائه مفزوعا ملوحا بيديه كغريق يستنجد بمن على الشاطئ .. يحتاج الأمر إلى بضعة دقائق كي يستوعب روبنسون أنه في الحانة و ليس وسط المحيط .. يمسح وجهه المبلل بيديه مسحا عشوائيا .. ثم يرفع رأسه و ينظر بحنق إلى صاحب الحانة الذي يبتسم ابتسامة ساخرة و يقول : ” حان وقت الإغلاق يا روب !” ..فيتكئ روبنسون على يد المقعد الذي كان نائما عليه في محاولة ثملة منه أن يقوم من مكانه هذا و يرحل عن “تلك الحانة القذرة التي لن أرتادها مرة أخرى بعد اليوم ..! في أي يوم نحن ؟ هل اليوم نهاية الأسبوع .. هل اليوم عطلة ؟؟ .. لا .. لا .. كان هذا بالأمس .. أجل ..عطلة نهاية الأسبوع كانت بالأمس .. ” .. حدد يوما بعد بحث طويل و وصل إلى باب الحانة ؛ إلا أنه تدارك السقطة في اللحظة الأخيرة و استند إلى ذلك المقعد الذي كان موجودا بجوار الباب ؛ فأخذه المقعد و هوى به أرضا .. “تبا .. مقعد غبى كصاحبه !” .. قالها في سره قاصدا بها ذلك الذي سرًحه من حانته قبل قليل .. اتكأ على قوائمه الأربعة كدب قطبي يستعد للركض إلا أنه تراجع بعدما وقف على قائمتيه الخلفيتين ليرقب الأفق عن قرب !!

وقف روبنسون على قدميه مجددا .. و غادر الحانة أخيرا بعدما شرب و نام و استحم و أفاق و سقط و سبَ و قام .. شريط معتاد يتكرر كلما تردد على هذه الحانة !! .. ” اليوم هو .. هو .. أول أيام الأسبوع .. ماذا فعلت هذا الصباح .. اخ .. وبخني إليوت .. تبا له و لوصلة توبيخه التي دامت لـ .. لـ.. اوف .. فقط لأنني وصلت متأخرا إلى العمل .. يُسمى “صندوق المعلبات” الذي يديره هذا عملا .. هأ .. تبا له و لصندوق معلباته .. كم أتمنى أن أدسه في إحدى معلباته تلك و ألقى بها في النهر .. و أسدي بذلك خدمة لنيو كاسل كلها ” .. لا يدري أنه سيسدي خدمة أجًل لو ألقى بنفسه هو في النهر .. و لكنها الثمالة على كل حال .. تجعل مفاهيمك مغلوطة .. و تقلب مبادئك رأسا على عقب .. هذا في حال امتلاكك مبادئ ، فما بالك بمن لا مبادئ لديه من الأساس !!

ظل يترنح طيلة الطريق إلى شقته .. و يهذي .. و يتوعد إلي ..وت ..و ما يلبث أن ينسى من هو إليوت ..ثم يصل إلى المنزل .. يقف أمامه مندهشا ..ينظر إليه بعينين يداعبهما نعاس تغشاه الثمالة .. يشعر بالحيرة .. “هل هذا هو البيت ؟ .. بأي طابق أسكن ؟؟”.. يحك رأسه بإصبعه ثم يدعك عينيه الناعستين و يرفع بعدها يديه و ينظر إلى أصابعه ببلاهة تامة و يعد كما طفل في الحضانة على أصابعه .. ” الأول .. الثــ .. الثاني .. الثـ .. الثالث .. أجل .. هو الثالث” .. إذن الشقة في الطابق الثالث .. هذا هو الاكتشاف الذي يصل إليه يوميا في مثل هذه الساعة .. و هو نفسه الاكتشاف الذي يمنحه شعورا بالزهو و النباهة يفوق شعور كولومبوس عندما اكتشف الأمريكتين ..ثبا للثمالة و ما تفعله بالناس ..انتهى من العدَ .. و بدأ في السير مجددا تجاه بيته .. رفع قدمه قدمه ليصعد أول درجة من درجات السلم لكنه أخطأ في تقدير مسافة بعد الدرجة عنه ؛ فسقط أرضا مكتشفا أمرا جديدا و هو أن الدرجة الأولى مازالت بعيدة عنه بخطوتين !! حاول الوقوف مرة أخرى و تابع سيره .. عثر على الدرجة أخيرا و صعد .. ” الطابق الثااااالث .. أوف .. بعيد .. مازال بعيدا .. لا أقدر على الصعود .. ما الذي جعلنا نسكن في هذا الطابق ؟؟” .. تبادر إلى ذهنه فكرة كسولة .. كان دائما ما يفكر في الجلوس حيث هو الآن و النوم على السلم لم يكن يقدر على صعود السلم رغم أنه لم يكن بدينا على الإطلاق .. و لا نحيفا .. و إنما متوسط الحجم .. بني الشعر .. أبيض البشرة .. عيناه بنيتان غائرتان لا يكاد الناظر إليه يراهما إذ بدوتا و كأنها مختبئتان داخل جمجمته .. تلك التى لا تحوى مخا على الأرجح و إنما تحوى فراغا عششت العناكب داخله من كثرة الفراغ الذي يحتويه .. فراغ يحوى فراغا .. لقد حقق “روبنسون هال” المستحيل بذلك !!

 

.. حقق روبنسون هال المستحيل بهذا !! ..شخص فارغ لا مضمون له .. و الكارثة أنه غير مقتنع بهذا؛ فهو راض عن هكذا حياة .. راض عنها أتم الرضا .. راض عن حفنة الجنيهات الاسترلينية التي يحصل عليها من عمله مع إليوت في متجر المواد الغذائية .. ذلك الذي يطلق هو عليه اسم صندوق المعلبات .. لا حاجة لذكر أنه كان ينفق ماله على مصدر متعته الليلي .. الكحول .. كل ليلة .. في “تلك الحانة القذرة التي لن أرتادها مرة أخرى بعد اليوم ” .. كان يكرر هذه الجملة كل يوم بالمناسبة ..و أخيرا بعد رحلة صعود الدرج التي تخللتها استراحات عدة وجد نفسه واقفا في بداية رواق تناثر عليه يمينه و شماله أبواب شقق .. بالطبع لم تكن معرفة في أي طابق تقع شقته التحدي الوحيد الذي يواجهه كل ليلة ؛ إذ كان محتوما عليه أن يتذكر رقم الشقة .. كانت فلورا قد كتبته له على المفتاح الذي يحمله معه كي لا ينسى .. لحسن الحظ تذكر هذا .. بدأ يحفر بيديه داخل كل جيب من جيوبه بحثا عن مفتاحه .. كاد ينقب داخل جوربيه لكنه نسي ذلك .. استمرت رحلة التنقيب تلك قرابة دقيقة و لم تسفر عن أي نتائج إيجابية أو حتى عن حفريات مكونة من أوراق حلوى أو شئ كان قد نسيه في جيوبه من قبل .. “ماذا أفعل الآن؟” .. قالها و حك أعلى رأسه بيديه كمن يفكر .. و كأنه يعرف ما التفكير !! .. مشى حتى نهاية الرواق ثم عاد إلى نقطة البداية مرة أخرى .. قطعه ذهابا و إيابا عدة مرات دون أن تجود عليه رأسه بأي ذكرى سابقة كان لرقم باب شقته فيها دورا كان يتذكره ..شئ ما في نفسه جعله يتوقف فجأة وسط الرواق .. علي يمينه باب و على يساره كذلك .. شعر كأنه محبوس بينهما كذبابة محبوسة بين مضرب الذباب و زجاج النافذة .. يعصرها المضرب بقسوة و يدفعها زجاج النافذة في اتجاه المضرب فلا يزيد الوضع إلا سوءا .. ظل ينظر إلى الأرضية أسفل منه نظرات مترددة ..بين ثانية و أخرى كان ينقل نظراته بين البابين .. يمنة و يسرة ..نظرات خفية .. مترددة .. بمقلتي عين متسارعتين من طرف العين الايمن إلى أخيه الأيسر .. نظرات مريض نفسي يخشى أن تلتقي عيناه بعيني طبيبه أو عيون الناس .. يخشى النظر المباشر إليهم .. و كأن نظرات الآخرين سهام تقتله !!

 

 

ظل محتارا بين البابين .. ثم سقط المضرب عن ظهر الذبابة بتعثر حامله في طرف السجادة فأصبحت الذبابة حرة مرة أخرى .. حياة جديدة بعد مواجهة الموت المحتم !!

فجأة دفعه نفس الشئ السابق إلى القيام بشئ متهور .. استدار إلى الباب الأيمن ثم رفع رأسه حتى صار وجهه قبالة الباب .. شقه رقم 24 ..هل كان هذا هو الرقم ؟؟ .. ربما .. لا يدري .. بدأ يطرق على الباب بكلتا يديه و كامل مرفقيه بعنف شديد .. طريقة مثالية لم

خمور مثله .. ” فلورا .. فلورا .. افتحي .. إنه أنا روبنسون .. افتحي و لا تثيري غضبي ..فلو .. ” .. 

انفتح الباب فجأه فسقط أرضا و ارتطم وجهه بالأرضية و جرح شفته السفلي .. قام يتكئ على كفيه و ركبتيه و ظل في هذه الوضعية لبعض الوقت ناظرا إلى الأرض .. ” أخ .. تبا .. أتحاولين قتلي .. ألم تر أنني كنت مستندا إلى الباب .. ها ؟؟ أعلم أنك تحاولين قتلي .. سألقــ .. ” سكت فجأه عندما نظر إلى يمينه و وجد قدمى رجل ..سار بنظره حتى ركبتي الواقف .. نعم إنه رجل ..تذكر أخر مرة رأي فيها قدمي فلورا .. لم تكونا بهذا الشكل .. ماذا حدث لفلورا .؟؟ تبادرت حينها إلى ذهنه فكرة سيئة .. فلورا لم تتحول إلى رجل ..” تلك الــ .. لطالما أدركت أنها خائنة .. لن تفلت من يدي .. ” 

 

-“قف على قدميك أولا يا روبنسون ، ثم فكَر بعدها في الانتقام من تلك المسكينة .. لقد نالت منك عقابا يكفيها و يكفي نيو كاسل كلها على أشياء لم تقم بها أصلا ! “
– “بول ؟؟!! ماذا تفعل هنا في شقتي ؟؟” ..قالها و هو ينظر إليه بطرف عينه اليمني بعد أن أغلق اليسري و فتح فاه محاولا تجنب ضوء المصباح المعلق في السقف و الذي أعماه .. هو الذي يريد أن ينام !!
-” ليست شقتك يا روبنسون .. شقتك أمام شقتي .. أليس 

هذا ما أقوله لك كل ليلة؟؟ .. هيا قُم !” .. ساعده على النهوض .. ثم أعطاه مفتاحا صغيرا أخذه و هو مندهش كالعادة لسبب غير مفهوم .. 
-“خذ ! .. هذه نسخة من مفتاح شقتك تركتها فلورا لك هنا في حال عدت متأخرا و .. و كنت ثملا .. هكذا ! ” .. قالها بول و هو مادا إليه يده بالمفتاح و عابثا باليد الأخرى في شعره .. لم ينظر إليه و هو يحدثه ؛ إذ لم يرد أن يظهر له مشاعره التي فضحها وجهه على أية حال .. كانت علامات النفور من روبنسون هذا بادية على وجه بول .. جارهم الوسيم .. طويل .. سليم البنية ..يمارس الرياضة بانتظام .. تظهر من تحت أكمام قمصيه عضلات مفتولة و إن لم تكن كبيرة الحجم .. له عينان زرقاوان .. يغيطها شعر بنى مخلوط بلون برتقالي خفيف ..أحب فلورا يوما لكنها لم تبادله نفس الشعور .. بل لم تعرفش شيئا على الإطلاق عن شعوره تجاهها .. أدرك ذلك مبكرا فآثر الإنسحاب مبتعدا عنها تماما .. ظل يرقبها من بعيد .. رأي كيف وقعت في حب غيره .. و تزوجته .. و أنجبت منه .. كان سعيدا من أجلها ؛ إذ ظن خطأ أنها سعيدة .. و لكنه كان يتألم في الوقت نفسه من أجل نفسه .. ثم سرعان ما نسي ألمه الذاتي بعدما انتقل للسكن في الشقة المقابلة لشقتها فعرف المأساة اليومية التي تعيشها حبيبته التي لم يعرف أحد سواه يوما أنها حبيبته .. زوج فارغ العقل و النفس .. لا محتوى له .. لا عمل ثابت له .. لا تفاهم يعرف طريقا إليه .. يتفنن في إهانتها !!

 

كم شعر حينها بالشفقة عليها .. ليست شفقة الغني على المعدم و لا شفقة السليم على المريض ؛ و لكنها شفقة الحبيب على حبيبه .. وقع بينها و بين روب شجار ذات مرة ألهى كليهما عن إغلاق باب الشقة و وصل بهما إلى المطبخ و أسمع جميع سكان الشقق المجاورة صوتيهما .. ولج بول مسرعا إلى شقتهما محاولا التدخل .. كان في نيته إنهاء الأمر بشكل سلمي لكن معطيات الموقف أمامه بعثت برسائل إلى عقله جعلته يدرك استحالة إنهاء 

الموقف دون استخدام بعض العنف .. كانت ملقاة على أرضية المطبخ بجانب المنضدة و كان الآخر الثمل لا يتوقف عن ركلها بقدمه بعد أن تعثرت و سقطت اثناء محاولتها البائسة بالهروب منه .. دخل بول و جذبه من ظهر قميصه و دفع به إلى باب المطبخ .. لم تكن الدفعة قوية و لكنه سقط أرضا ..أمر متوقع من ثمل لا يحفظ توازنه على الإطلاق .. أخذ دقيقتين كي يستوعب الموقف و يفهم من يضرب من !! .. دقيقتان كانت كافيتين كي يساعدها بول على النهوض و يخرجها منم المطبخ إلى غرفة المعيشة حيث هوت على أقرب مقعد إليها .. اتكأت بمرفقها على يد الكرسي و اسندت رأسها إلى يدها تلك و استطردت البكاء .. وقف بول أمامها واضعا يديه في جيبي بنطاله .. ناظرا إليها لا يدري ما يقول أو ماذا يفعل .. رفعت رأسها إليه كي تشكره ، و لكن قبل أن تقول أي شئ ارتاعت من هول ما رأته وراء بول .. روب الثمل وقف على قدميه .. دخل المطبخ .. و خرج منه بأكبر سكين .. و ها هو ذا يتوجه مترنحا إلى “ذلك الحقير الذي طرحني أرضا في بيتي .”

– ” لا لا لا .. روب .. تمالك نفسك ” ، قالتها بارتياع ؛ فنظر حينها بول خلفه و رأى صاحبنا برفقة السكين .. قبل أن يقول أي شئ أو يتخذ اي وضعية للدفاع عن نفسه وجد فلورا قد وقفت بينها درعا بشريا .

– “روب لا .. دع السكين من يدك .. لا ترتكب حماقة تندم عليها بعد ذلك يا عزيزي ” .. لم “عزيزي” تلك نابعة من حب .. بل من خوف .. ذلك الخوف الذي يجبرك على التظاهر بحب من تكره و كره من تحب ؛ فقط لكي تنقذ نفسك

 أو .. تنقذ من يحبك سرا .. رجته و هي وافقة أمامه بيدين ترتجفان .. ظهرهما مقابلا لوجهها .. حتى يداها كانتا ترجواه !!

-” تنحى جانبا .. هذا الحقير ضربنى في بيتي .. بل و دخل دون إذن مني .. من يحسب نفسه .. سألقنه درسا لن ينساه .. تنحي جانبا ” ، صرخ و هو يصدر ذلك الأمر الأخير .

-“تنحي جانبا يا فلور من فضلك” ، قالها بهدوء .. نظرت إليه فلورا و عيناها مليئتان بالدموع و انتقلت برجائها من روب إليه :”بول أرجوك غادر .. أرجوووك .. إن كنت حقا تهتم لأمر .. أرجوك ” .. خنقت الدموع صوتها فكانت “أرجوك” الأخيرة بالكاد مسموعة .. نظر إليها بحزن ثم رمق روب بنظرة اختلط فيها الغضب بالنفور و التحذير و التحدي .. فرد عليه الآخر بنظرة فيها استهزاء و كأنه لم يُطرح أرضا قبل خمس دقائق مضت ..لم يشأ بول أن يجعل فلورا تتكبد عناء استجواب الشرطة عن من قتل من و ماذا كان الدافع بعد انتهاء المعركة بينه و بين روبنسون ..”حسنا، سأرحل” .. قالها و خرج .. كانت عيناه تنظران إلى الأرضية الممتدة أمامه حتى باب شقته .. خرج من الباب .. و سمع صوته ينغلق وراءه .. صفع الباب إطاره بعنف جعل رعشة طفيفة تسري في رأس بول .. تلك الرعشة التي تعتريها جراء غلق الباب بعنف ..أغمض عينيه لثانية و فتحهما مرة أخرى .. لم تكن فلورا هي من أغلق الباب .. لن تغلقه بهذه الطريقة حتى و إن كانت غاضبة .. يعرفها جيدا .. يعرفها أكثر من نفسه ..ظل واقفا لثوان ينظر لباب شقته .. فتحه و دخل .. و نظر إلى باب شقة فلورا و هو يغلق الباب .
نفس الباب ينظر إليه الآن و لكن الأمور الآن مختلفة بعض الشئ .. فهو فتح بابه لروب بعدما أغلقه في المرة السابقة .. و روب الذي صفع بابه خلف بول ، يفتحه الآن .. فتح روب الباب و دخل ثم صفعه مجددا .. راود بول نفس الشعور الذي راوده عند الصفعة السابقة .. رعشة و عيون مغلقة .. أطرق برأسه قليلا .. ثم نظر إلى باب فلورا و هو .. يغلق بابه .

 

دخل روبنسون إلى شقته ثم صفع الباب وراءه .. نظر بعينين ناعستين  إلى المكان من حوله ..أجل .. هذه تشبه شقته ..المقاعد نفسها .. المنضدة الصغيرة نفسها .. التلفاز المحطم ذاته .. متى تحطم  هذا الشئ ؟؟ أجل .. أثناء أجل شجارات الأسبوع الماضى ، عندما أزاحه بيده من طريقه ؛ كي يتمكن من اللحاق بفلورا . مازال الجهاز محطما في مكانه كما كان ، إلا أن فلورا كانت قد أزالت البقايا المتكسرة من حوله و جعلته قائما على قاعدته السفلية .. لن يتمكن الليلة من مشاهدة التلفاز ، بل لن يتمكن من فعل هذا لأجل غير معلوم .. ربما حين يتخذ قرارا حاسما بشراء أخر جديد ؟؟

ألقى بجسده على الأريكة .. مدً جسده عليها و ظل ينظر إلى السقف .. كان على وشك أن يغط في نوم عميق راحما البشرية من غوغائيته عندما انفتح باب الحمام و خرجت فلورا بثياب النوم .. لم تنتبه إلى وجوده ؛ فلم تكن تهتم لحضوره من عدمه .. كانت ترفع خصلات شعرها البني المنسدل على عينيها الزرقاوين زرقة حجرين صغيرين من الياقوت الأزرق الغامق توسطتا وجهها  الحسن ذا اللون الخمري الفاتح .. كانت تنظر إلى الأرضية و هي تمشي .. ثم أشاحت برأسها إلى الوراء و جعلت تحركها يمنة و يسرة و تضغط بأناملها الرقيقة على  فقرات رقبتها التي تؤلمها منذ أسبوع .. عكفت  فيه على قراءة كتاب عن المعالم السياحية في بلدها  ؛ فقط لأنها شعرت بالحنين إلى مهنتها  التى تركتها مرغمة ؛ كي تهتم بصغيرها  و تتخلص من بعض مسببات الشجار الذي يفتعله روب دائما على أتفه الأسباب .. و يهدف من ورائه إلى إغاظتها و حرمانها من كل ما تحب .. من كل ما يمتعها .. و كل ما يسري عنها .. و لكنها وجدت ما تسري به عن نفسها على الرغم من كل هذه الضغوط .

عادت للقراءة التي تهواها منذ نعومة أظافرها مرة أخرى .. و بدأت في قراءة كتب عن المزيد من المعالم السياحية  في إنجلترا ..شئ ما يهمس في عقلها و قلبها أن تعود لمهنتها السابقة .. أن تعود مرشدة سياحية .. لا تدرى ما السبب وراء هذا الهمس .. و لم الآن ؟؟

مزعج هو هذا الألم .. ليس شديدا و لا مبرحا  و لكنه يثير غضبها .. ظلت تعبث بأطراف أصابعها في  فقرات رقبتها ؛ فلم تنتبه إلى لتلك الطاولة الصغيرة التي اعترضت طريقها .. تعثرت بها لكنها لم تسقط .. تزحزحت الطاولة من مكانها بضعة سنتيمترات فاحتكت بالأرضية و أصدرت صريرا سمعه فاستيقظ  .. بعينين نصف نائمتين و صوت يخنقه نوم مختلط بغضب  جعله أشبه بصوت بوق سياره معطل قال : ” من هناك؟ “

لم تكن تعرف أنه قد وصل إلى البيت ؛ فأفزعها صوت البوق المعطل هذا ..تسارعت دقات قلبها لوهلة ثم أدركت أن  هذا روبنسون .. تنفست بعمق لكنها لم تتنفس الصعداء ؛ فهى تعرف أن الاحتمال مازال قائما بأن الأسوأ لم يأت بعد .. ” أنا .. فلورا  .. عذرا إن كنت إيقظتك ! “

–         “إن كنت أيقظتني ؟؟أتسخرين منى ؟؟ ها ؟؟ بالطبع أيقظتني .. من غيرك من الممكن أن يكون قد فعلها .. المزعج الصغير الذي يغط في النوم بالداخل (أشاح بيده تجاه غرفة روبرت) أم الشاب الوسيم الذي يسكن في الشقة المقابلة (أشاح بيديه الاثنتين متسائلا و ساخرا) من غيرك فعلها ؟؟ أجيبيني! “

طريقة جديدة لبدء شجار مؤكد هذه الليلة .. وقفت أمامه تنظر إليه نظرات متقطعة تتخللها نظرات متوترة إلى الأرضية تارة .. إلى التلفاز المحطم تارة أخرى ..إلى المطبخ حينا .. و إلى حجرة روبرت حينا آخر .. كلها أماكن و أشياء ارتبطت بمشاجرات سابقة .. مشاجرات تتحرك الآن أمام عينيها كقطار مسرع  تعطلت مكابحه و أُصيب سائقه بغيبوبة سكر ؛ فخرج عن السيطرة و ظل يسير دون أن يعرف من فيه أن سيتوقف أو حتى متى ؟؟ .. و لكنها هي تعلم أين و متى .. سيتوقف القطار عندما يصطدم بشجار الليلة الذي سيحتدم في كل الأحوال .. سيحتدم إن أجابته و سيستعر أكثر إن تجاهلت سؤاله ، إذن فالوضع سيئ في الحالتين و لا يمكن تفادي الاصطدام ؛ فالقطار يسر على شريط أحادي الاتجاه .. و السائق مغيب .. المكابح معطلة .. و الاصطدام محتوم !!

-“أجيبي؟” ، صرخ فيها ؛ فأصابتها رعشة فزع أغمضت إثرها عينيها لثوان ثم قالت و عينيها موجهتني إلى الأسفل تنظران إلى اللا شئ و جفناها يكافحان من أجل إبقاء الدموع داخل عينيها :” أنا أيقظتك .. آسفة .. سألتزم الهدوء بعد ذلك  .. أعدك .. يمكنك أن تنام بهدوء الآن (كانت قد بدأت تستدير إلى اليسار كي تدخل حجرتها و تنام ؛ عل ذلك يحول بينها و بين شجار الليلة) لن تسمع أي ــ ” .. قاطعها فجأة :”انتظري مكانك .. لن أسمع ماذا ؟؟ انظرى إلى نفسك .. مازلت تتفوهين بترهات  لا معنى لها .. مجرد الكلام الذي يخرج من فمك مصدر إزعاج لي .. اعتذارك مصدر إزعاج لي ” .. رغم أنها – من الناحية الافتراضية- كانت قد اعتادت  مثل هذا الكلام بل و سمعت أسوأ منه ؛ إلا أنها كانت تسمعه في كل مرة و كأنها تسمعه لأول مرة .. ظلت تنظر إليه بعينين تحاول مقلتيهما أن تخفي الدموع وراءها كي لا تمنحه ما يريده .. كي لا تجعله يستمتع بإهانتها .. كي لا تسمح له بأن يقتات على ضعفها ..شئ ما داخلها جعلها ترغب هذه المرة في حرمانه من فرحة الانتصار عليها التي أدمنها كل ليلة كما أدمن الكحول .. فجأة أرادت أن تتحداه و أن تقف أمامه و لو لمرة واحدة .. رفعت رأسها التي كانت قد نكستها منذ قليل  و نظرت إليه .. مباشرة في عينيه .. بعدما كانت تتفاده قبل خمس دقائق بل منذ خمس سنوات .. كانت يدها اليمنى تفرك سطح رفيقتها اليسرى بعصبية و عيناها لم تتزحزحا عن وجهه ذي العينين الغائرتين ..

فجأة فقدت شعورها بما حولها .. لم تعد ترى ذلك التلفاز المحطم و لا أبواب الحجرات .. لم يعد لآثاث الشقة وجود .. تحولت الإضاءة الضعيفة التي جعلتها منذ البداية تصطدم بتلك المنضدة الصغيرة إلى ضوء قوي .. و غرفة المعيشة التي شهدت هذا الحدث صارت مكعبا فارغا أبيض الحوائط .. أبيض السقف .. و أبيض الأرضية .. ذا إضاءة قوية ، وقفا فيه هما الاثنان بعدما فاض بها الكيل  .. تحول في عينيها إلى هيكل كريه يتحرك و يهذي بكلام طالما جرحها و آذاها  .. راقبت شفتيه تتحركان و تنطقان كلام لم تعد تسمعه ..

كانت تنظر إليه مباشرة و تتحداه .. و لكنها سدًت أذنيها للحظة عن سماعه .. و بدأت تنصت لصوتها هي للمرة الأولى منذ خمس سنوات .. صوت عقلها الذي كاد يختنق محاولا إقناعها بإطلاق العنان لصوتها الفعلي ؛ كي يخرج من مكمنه موقفا روبنسون عند حده و مطلقا معه كل مشاعر الضيق و الحنق و الغضب التي كتمتها  داخل نفسها طيلة خمس سنوات .. تلاشي صوته للحظات  من داخل مملكة عقلها .. لم يعد لصدى صوته أي رجع بين أرجاء المملكة ، فالرجع الوحيد كان من نصيب صدي صوتها .. “لماذا صمتُ كل هذه السنين ؟ .. ما الذي أجبرني على تحمل إهاناته المتكررة .. ماذا ينقصني كي أدافع عن نفسي .. أي سبب يدفعني للبقاء معه؟ .. لماذا لا – ” .. تدفق سيل من الأسئلة داخل عقلها أزال معه كل أثر لصوته من داخل عقلها  .. و بزوال الأثر الأخير ولج ذلك السؤال إلى داخل عقلها ذلك السؤال الذي قد يبدأ معه صراع الأيدي و الكراسي و الأشياء المحطمة : “ما الذي يمنعني من الرد عليه .. ما الذي يرغمني على البقاء معه .. ؟؟ ..سئمت هذا الصراخ المتكرر “

ظلت تنظر إليه بعينين أصابهما الجمود ؛ فتوقفت مقلتاها وسط عينيها و ظلتا موجهتين إليه !

 

داليا حازم

صباح الكبت

Published November 23, 2012 by Dalia Hazem

يا صباح كتب الحريات
يا صباح قفل الفضائيات
جاي على الصح و يتخلًق
و ” للهايفة” بيضرب سلامات
سايب “التت” و سايب “البت”
و قفل الصح عشان أُذُنات

داليا حازم
16 – 11 – 2012

%d bloggers like this: