طول نَفَس – قصة قصيرة

Published August 19, 2013 by Dalia Hazem

“طول نَفَس”
“اهلااااا .. اهي ايد الهون جت اهيه ” ..”لَحْن .. الا هو انتي لما بتطلعي السرير بتاعك بتقفي ع كرسي الحمام عشان تطوليه؟؟”..”هي أصلا كدة كدة مش هاتطول أوكرة باب الاوضة عشان تدخلها عشان توصل للسرير اساسا” .. ثم تتعالى ضحكات الجميع .. ماعداي !! فدوري في هذا المشهد يقتصر على “الاستماع الصامت” .. أسمع و لا أتكلم .. أنظر للأرض مرة و أشيح بنظري بعيدا عنهن مرة أخرى متظاهرة بأني لم أسمع ما قُلنه.. أنا المضحوك عليها و المستهزأ بها .. أنا اللحن الذي لم يكتمل و آثر الصمت !!

عشت سنوات طوال و رنين تلك الجمل في رأسي كرنين أجراس الكنائس .. ظلت تلك الجمل لردح من الزمن صوت بطَل كوابيسي و جرس منبهي الذي يفزعني كل صباح .. و كأن المرض الذي ألًم بي لم يكن كافيا حتى أُبتلى بموشحات السخرية اليومية تلك .

تسألت طويلا: هل كان مرضي سببا لتلك السخرية أم كانت السخرية سببا لذلك المرض .. أم .. أنهما .. أم أنهما “كومبو” واحد مع بعضهما البعض .. وجود هذا يستلزم وجود ذاك ؟؟

لا أذكر متى بدأ الأمر على وجه التحديد .. كل ما أذكره أنني كنت خائفة و مرتبكة و .. و أريد أن أبقى بعيدة عن الجميع. و الأهم من ذلك أنني لا أريد أن أسمع أي صوت .. أكاد لا أذكر من طفولتي و أنا ف الخامسة من عمري سوى صوت العراك الدائر بين أبي و أمي .. لم أسمع في هذا العراك سوى صوت أبي على وجه التحديد .. لم أسمع صوت أمي .. و لا حتى بكاءها .. كان يتفنن في أن يتعارك معها على أتفه الأسباب .. و هي لم تكن تجيبه .. و لم تكن تشتكي .. لي أو حتى لأخي الذي كان يكبرني بعشر سنوات .. كان في الخامسة عشرة من عمره .. كان ثاني مخبأ لي على سطح الأرض بعد أمي .. أما المخبأ الثالث فكان تحت مكتبي الصغير في حجرتي .. أختبئ تحته و أدفن وجهي بين رجلي و أضع يديً فوق رأسي كي لا يراني أحد .. و من حين لآخر كنت أسترق النظر إلى ساعتي المعلقة على الحائط أمام مكتبي .. ساعة بيضاء بالكامل و في مركزها زهرة تبتسم .. زهرة صفراء اللون .. لطالما أحببت هذين اللونين معا و لهذا أحببت هذه الساعة ..من حين لآخر كنت أنظر إليها بطرف عيني اليمني و كأنني أخاف من أن أكشف مخبأي إن أنا أظهرت وجهي كله .. لا أريد أن يراني أحد !!

ظل يتعارك معها .. لسنوات .. و ظللت أنا أختبئ تحت المكتب ذاته .. مذ كنت في الخامسة من عمري و حتى صرت في العاشرة .. كان دائما ما يتسع المكان لي .. بل ظل اتساعه عندما كنت في العاشرة تماما كاتساعه كما كنت في الخامسة .. لم يشكل الأمر فرقا بالنسبة لي و لم يشغل انتباهي على الإطلاق .. فكل ما كان يهمني هو وجود هذا المخبأ .. وحدها أمي من لفت انتباهها هذا الأمر .. و تعجبتْ : لماذا مازال الاتساع بنفس الاتساع ؟؟ .. لماذا يسهل علي الدخول إلى المكان ذاته و أنا في العاشرة من عمري ؟؟ لماذا لا أنحشر بالداخل ؟؟ و الأهم ..
لماذا أنا على الطول ذاته مذ كنت في الخامسة ؟؟ لماذا لا أصير أطول ؟؟ .. لماذا لا أنمو ؟؟
كانت تنظر أمي لي بعين القلق .. أكاد أتجاوز العاشرة من عمري و لم يتجاوز طولي المائة و عشرين سنتيمترا !! .. وقفا لحساباتها فطولي لم يزد إلا بمقدار عشرة سنتيمترات فقط عما كان عليه و أنا في الخامسة !! .. لم يكن وزني هو الآخر على ما يرام .. كان ضئيلا إلى حد ما .. قررت أمي ألا تقف مكتوفة الأيدي .. فإن كانت لا تستطيع أن تقف بوجه زوجها المتسلط ، فهي قادرة على أن تقف بوجه ما يعترض ابنتها بسوء !!

و هكذا وجدت نفسي معلقة في يدها كطفلة في الخامسة .. و هكذا وجدت نفسي معها في طريقنا إلى عيادة طبيب ما .. و تكرر ذهابنا إليه عدة مرات .. منها مرة للكشف العادي .. و مرة بعد أن أجرينا بعض التحاليل

– التحاليل بتقول إن عندها في انخفاض هرمون النمو (GH) وإفراز سوماتوميدين عشان كده نموها متأخر .. الحالة اللي عندها دي اسمها Psychological Short Stature يعني قصر قامة نفسي ..

اقترب حاجبا أمي من بعضهما البعض عندما اعتلى القلق وجهها و هي تسمع ذلك الاسم المعقد ، فبادرت بسؤال الطبيب

– و دة .. و دة سبـ .. سببه إيه يا دكتور ؟؟
– زي ما قلت لحضرتك يا فندم .. دة سببه انخفاض ف هرمون النمو و إفراز سوماتوميدين .. بس المرض دة ف الأساس سببه نفسي .. يعني المريض بيكون عايش ف بيئة متوترة و بيتلقى معاملة سيئة من اللي حواليه لمدة طويلة .. و أحيانا بيكون السبب إن الطفل بيعاني من حرمان عاطفي
– طب و دة ليه علاج ؟؟ و لا مفيش حل يا دكتور ؟؟
– أكيد .. الأساس في الموضوع كله هو الراحة النفسية .. من غيرها مقدرش أوعدك بنتايج إيجابية .. لازم المريض يبقى في بيئة خالية من التوتر .. خالية من الاستهزاء بيه مثلا .. يعني لو كان حد بيتريق عليها يبقى تحاولوا تخلوه يبطل .. أي حاجة ممكن تأثر عليها بالسلب لازم تنتهي .. !! ..بمجرد اختفاء العامل اللي بيأثر عليها بالسلب هايرجع نموها لمعدله الطبيعي مرة تانية ان شاء الله .. انا طبعا معرفش ايه اللي مأثر عليها و خلاها توصل للحالة دي .. حضرتك والدتك و أدرى فلازم بقى تعزليها تماما عن البيئة المتوترة اللي هي عايشة فيها و تحاولي معها كدة سنة سنة و ترفعي من معنوياتها لو كان في أي حاجة مهبطاها .. و هادي لحضرتك نمرة و عنوان عيادة دكتور نفساني كويس أوي عشان لو حضرتك حبيتي تلجأي ليه ف أي استشارة و تخلي لحْن تتابع معاه و أنا بصراحة أفضل انها تتابع معاها بالإضافة لمتابعتها معايا هنا كمان

ناول أمي “كارت” صغيرا مكتوب عليه بخط بدين أكثر منه عريض “د. ناصف وهدان – أخصائي أمراض نفسية و عصبية” .. و تحته عنوان العيادة و أرقام هواتفها .. أخذته أمي منه و شكرته للغاية .. نظرت إليه نظرة خاطفة و أخيرة أيضا ثم أودعته حقيبة يدها و أمسكت يدي برفق .. ودعت الطيب و شكرته بإيماءة من رأسها .. ثم أخذتني و رحلت .. و في الطريق لم تتحدث إلى كثيرا .. كانت صامتة معظم الوقت .. و كنت أنا أمضي “معظم الوقت” هذا في مراقبة وجهها و انفعالاته التي بدت منتبهة بشرود .. منتبهة للطريق كي لا يصيبنا مكروه و شاردة فيما قاله الطبيب لها .. أكاد أجزم أنها أعادت على مسامعها ما قاله الطبيب لها .. بل أكاد أجزم أنها أعادت التفكير في شريط حياتها منذ مجيئي إلى هذا العالم .. و شريط حياتي أنا الأخرى .. ربما جعلت تفكر في : كيف لها أن توقف التوتر المحدق بي ؟؟ .. كيف لها أن توقف عراك أبي معها على أتفه الأسباب .. ذلك العراك الذي لا ينتهي ؟؟ .. كيف لها أن توقف غضبه الدائم مني .. أنا الابنة التي لم يردها من الأساس .. فقد كان مكتفيا بأخي الأكبر زيد الذي جئت بعده بعشر سنوات ؟؟

عندما علم أبي أنني سآتي إلى الدنيا أشبع أمي تقريظا مذ كنت جينيا داخلها .. لغضبه الشديد .. بالكاد يتحمل نفقة أخي ، فكيف له بتحمل نفقة طفل آخر .. ثم أنه لا يحب الأطفال أساسا .. لم أفهم أبدا لماذا كان أبي غاضبا هكذا ؟؟ ربما كان السبب ذكرى أليمة في طفولته .. لا أدري .. أيا كان الأمر .. فأنا من تحمل اللوم كله .. و أنا من تلقى المعاملة السيئة بكافة أشكالها ..!!

على الجانب الآخر كان هناك زيد .. جميل هو .. و اسم على مسمى .. كان رقيقا .. رفيقا .. حنونا .. لم يتطبع بطباع أبي .. كان لي أخا و أبا و صديقا .. كان يعني لي الكثير إن لم يكن يعني كل شئ !!

كان دائما ما يصطحبني معه في مشاويره الصغيرة .. أحيانا كان يمضي الليل معي عندما أكون حزينة محاولا الترويح عني فيقرأ لي قصة ما .. و نظرا لغبائي المستفحل في الرياضيات كان هو مساعدي الأول و الأخير فيها .. لم يكن أبي يعامله بسوء كما كان يفعل معي .. و لكنه في الوقت نفسه لم يكن يحسن معاملته.

عدنا إلى المنزل و أمي على شرودها المنتبه أو انتباهها الشارد .. لا أدري .. دخلنا إلى غرفتي و جلست على سريري في حين جلست هي أمامي على مقعد مكتبي .. حاولت أن تبتسم ثم قالت

– بصي بقى .. اديكي سمعت الدكتور قال ايه .. قال مش عايزينك تزعلي خالص .. انا عارفة ان الدنيا ملغبطة شوية .. بس ان شاء الله الحال ينصلح .. و على ما ينصلح نضبط احنا امورنا واحدة واحدة كدة .. نبدأ باللي نقدر عليه .. و

ثم توقفت و خرجت من الحجرة ثم عادت مرة أخرى و وراءها زيد .. جلس إلى جواري بعد أن دعك رأسي بمزاح و شرحت له أمي الموقف من بدايته و حتى نهايته .. شرحت له طبيعة المرض الذي أعاني منه !! .. جلس مرتبكا بعض الشئ .. صمت لبعض الوقت و لم يدري ما يقول .. فاكتفى بأن ينظر إلى مبتسما ابتسامته التي طالما أحببتها .. و لكنها اختلفت هذه المرة عن غيرها .. رأيت فيها الشفقة و التعاطف !!

بعد ان انتهت أمي من شرحها .. عادت لتكمل حديثها الذي بدأته معي

– يبقى بقى احنا نبدأ نصلح اللي نقدر عليه .. صحابك اللي بيتريقوا عليك ف الرايحة و الجاية و لا يهموك .. كلامهم اللي بتاخديه بزعل دة بيعييك أكتر .. يعني هما مش نافعينك بحاجة .. انسي كل الكلام اللي بيقولوه .. القصر مهوش قصر طول .. دة قُصر بصيرة و قُصر ذوق و قُصر حيلة .. عايزة تبقى “قصيرة الحيلة” ؟؟ (هززت رأسي حينها أن :لا ) .. يبقى خلاص مكليش دعوة بيهم و لا باللي بيضايقك “أيا كان” .. سامعاني يا لحن ؟؟ .. “أيا كان” .. و حطي ف اعتبارك إن الطول مهوش برضو طول الجِتًة .. الطول طول بصيرة يخليك تشوفي لأبعد مدى و تفهمي اللي حصل و اللي هايحصل و طول ذوق يخليك تحترمي اللي قدامك و طول بال ع اللي تاعبك و مضايقك و طول حيلة يخليك تعرفي تتصرفي و تطلعي من الحفر اللي هاتقعي فيها و تبقى مؤمنة ان ربنا هايسهل لك كل السبل و يطوعلك من عبيده كتير عشان توصلي لهدفك .. و طول نفس .. عشان تكملي للآخر !!

سمعت كلامها و لم أجد ضررا من تنفيذه .. فبدأت مع رفيقات الدراسة السخيفات .. فلم أستمع لسخافاتهن .. استمعت فقط لصوت إذاعة المدرسة بسذاجتها المحببة .. لصوت تحية العلم .. لصوتنا نغني “بلادي بلادي” .. لصوت المدرسة و هي تشرح الدرس .. و صوت جرس المدرسة معلنا نهاية حصة و بداية أخرى .. أو ربما معلنا نهاية اليوم الدراسي بأكمله ..
كنت أعود كل يوم من المدرسة بعد عملية التجاهل تلك و أنظر للمرآة .. هل صرت أطول ؟؟ .. لا أعلم .. ربما هناك طريقة آخرى .. أها.. ها نحن ذا .. وجدتها أخيرا .. الساعة .. ساعة الحائط البيضاء ذات الزهرة الصفراء .. سأحاول أن أطولها بأصابعي إذن .. سأمد جسدي كي أصل إليها و سأصل إليها .. حاولت و حاولت

و أمضيت عدة أيام في المحاولة و كان الأمل يحدوني .. و كان يحدوني أمي و زيد .. ثم ها أنا ذا أحاول أن أصل و ها أنا ذا أمد جسدي .. محصورة بين الأطراف .. أطراف أصابع قدمي تحملني و أطراف أصابع يدي تسحبني لأعلى .. لأعلى .. و .. انفتح باب حجرتي فجأة و دخلت أمي .. لم أفهم سبب الهلع الذي غطى وجهها .. و لكنه انتقل لي على الفور .. فسألتها

– فيه إيه ؟
– البسي بسرعة عشان هاننزل يا لحن .. بسرعة
– نروح فين ؟
– البسي بسرعة .. هاقولك ف الطريق

بعينين جاحظتين حينا و مهزوزتين تحبسان دمعهما حينا آخر .. و بفم مطبق .. و وجه شَحِب حتى صار لونه لون ملاءة السرير البيضاء التي تمدد عليها .. وجدتني واقفة أمام سريره أنظر إليه .. و إلى المحاليل التي أوصلوها بيده و ذلك الخرطوم البئيس الذي حشروه في أنفه .. و تلك الضمادات التي لم أعرف أي جزء من جسده تركت دون أن تغطيه !! .. قال الطبيب لأمي كلاما كثيرا لم أكترث له .. و لِمَ تكترث فتاة في بدايات عامها الثاني عشر لمثل هذا الكلام .. الأهم هو من يتكلمون عنه .. بقيت بجانب زيد في المستشفي أسبوعا كاملا .. لم يحرك فيه ساكنا .. ظل نائما في غيبوبة .. بعدما تعرض هو و أبي لحادث .. أودى الحادث بحياته أبي .. و بقيت حياة زيد على المحك .. لأسبوع . و في أخر يوم من أيام الأسبوع جلست وحدي معه في الغرفة .. على كرسي بجانب سريره .. لم تتحرك عيناي بعيدا عنه .. فخُيٍل إلي أن إصبع تحرك .. قمت من مكاني بسرعة و جثوت على ركبتي إلى جانبه و ظللت أنظر إليه .. لم أصدق نفسي و أنا أراه يفتح عينيه .. فتحهما و نظر إلى .. اقتربت منه أكثر و قبضت على يده التي كانت مواجهة لي .. و اقتربت حتى صارت يدي الآخرى تداعب شعر رأسه كما اعتاد أن يفعل معي .. ابتسم حين رآني ابتسامته المحببة لنفسي .. و رأيت فيها راحة لم أعهدها .. التفت كي أنادي أمي التي كانت بالخارج مع الطبيب .. ثم نظرت إليه مرة أخرى .. فكان قد أغمض عينيه مرة أخرى .. و في اللحظة التي دخلت فيها أمي مع الطبيب .. علا صوت صفير جهاز* ما بجانبه و صار “الزجزاج” فجأة خطا مستقيما !!

زيد كان زيدي و زادي و زوادتي ..كأن كانت الدنيا كلها زائدة لا قيمة لها في عيني عندما كان زيد حاضرا فيها .. كان زيد هنا و فجأة لم يعد .. فجأة اختفى الزاد .. مات أخي !!

بقيت أمي حزينة لفترة .. لكنها ما كانت لتحتمل ضياع صغيريها معا .. رأتني أجلس في الغرفة وحدي لساعات طويلة .. أحدق في الساعة و لا أفعل شيئا .. جلست إلى جانبي ذات يوم تحدق إليها .. ثم قالت

– طولتيها و لا لسه ؟؟
فاجأني السؤال .. فنظرت لها لثوان ثم استجمعت نفسي بعد الاندهاش و أجبت :
– بقالي كتير محاولتش من ساعة …. من ساعتها
– اصلي حاسة انك طولتي شوية .. و سنة سنة هاتوصل ليها
– امال انا ليه حاسة اني زي ما انا
– لا بالعكس .. انا شايفة ف تحسن .. انت هاتحسي ازاي يا هبلة .. انا اللي بشوفك من بعيد و جايبة الـ view من فوق .. جربي تاني من اسبوعين للأسبوعين كدة و أكيد هاتحسي بفرق
– اجرب

عدت مرة أخرى للتجريب اليومي .. و لكنني لم أستطع أن استعيد حماستي السابقة .. و ذات مرة بعد أن انقضى شهران من التجريب.. تجمدت على حالي فجأة.. و جحظت عيناي و أنا أنظر لإصبع يدي الذي مس الحافة السفلية للساعة .. هبطت على قدمي مرة أخرى ثم أعدت الكرة .. فمس إصبعي نفس المكان .. “دة بجد .. انا مش بخرف .. هههههه .. أنا طــ ” … أسرعت حينها إلى المطبخ و كدت أنزلق على الأرض من فرط سرعتي

– ماما ماما ماماااااااا .. طولت .. صباعي دة لمس طرف الساعة التحتاني
– مش قلت لك انك بتتطولي ؟؟ عشان تبقى تصدقي بعد كدة

ثم ابتسمت و أكملت ما كانت تعمله .. و عدت أنا إلى حجرتي و أحضرت قلما رصاصا .. ثم وقفت مرة أخرى تحت الساعة و مددت جسدي حتى لمستها بإصبعي و وضعت علامة بالقلم الذي أمسكته بيدي الأخرى مكان إصبعي و بجانبها كتبت “طرف الساعة التحتاني ” ..

مذ ذلك اليوم و الفخر يجتاحني .. كنت أمشي في أي مكان و أنا أشعر بأنني أطولهم .. لم أكن أطولهم بالطبع .. لكن هكذا كان شعوري .. يبدو أن أمي كانت محقة عندما قالت إن الطول طول بال .. طال بالي حتى بلغت منالي .. لم أصل له بشكل كامل و لكنها البداية فحسب ..
استعاد التجريب اليومي حماسي المعهود و جعلت أجرب و أجرب حتى تجاوز إصبعي مرحلة “الطرف التحتاني” و انتقل إلى مرحلة “ما فوق الطرف التحتاني” .. سجلت هذا الحدث على حائط الحجرة كما فعلت سابقا .. و استمرت الحياة و تحسنت أنا .. و مضت الأمور على شاكلتها .. و عندما وصلت لعامي السابع عشر كنت قد وصلت لطول طبيعي .. لم أبلغ الجبال طولا و لم أداعب نجف البيت و لكن كان طولي مناسبا لفتاة في مثل سني و مناسبا لبقية حياتي بالطبع .. تلقيت حينها منحة لإتمام دراستي الجامعية خارج البلاد .. في اليابان .. لطالما أحببتها .. أكبر حب في حياتي بعد ساعة الحائط البيضاء .. ودعت أمي الحبيبة و سافرت .. لم أشعر بالغربة .. معظمهم قصير .. انقضت السنوات الأربع بتفوق .. و عدت و أنا في أوائل عامي الحادي و العشرين .. عدت لأمي ..

افتقدت تلك الغرفة كثيرا .. جعلت أداعب المكتب و السرير و أمسح عليهما بيدي .. جعلت أداعب كل شئ في الغرفة حتى وقعت عيني على الساعة العزيزة مرة أخرى .. الآن صار بإمكاني أن ألتقطها بسهولة .. صحيح أنني سأمد جسدي قليلا و لكن لا بأس لم تعد هناك مشكلة .. التقطتها .. ثم لفت انتباهي شئ ما على الحائط .. ثقب المسمار الذي وضعنا عليه الساعة بدى و كأنه كان مسدودا باسمنت أبيض اللون من قبل .. ثم أٌعيد فتحه مرة أخرى كي تعود الساعة لهذا المكان .. و كأن أحدهم قد نزعها من هذا المكان و أخفى مكان المسمار باسمنت أبيض له نفس بياض الحائط كي لا أراها .. و لكن إن كانت الساعة قد انتُزعت من هنا .. فأين كان مكانها الثاني ؟؟ ملًستُ بيدي على الحائط أسفل هذا الثقب علًني أجد شيئا .. فشعرت بنتوءين خفيفين في الحائط .. فوق بعضهما البعض .. بدى أيضا أن كل منهما كان ثقبا ثم أعاد أحدهم إغلاقه بذات الاسمنت الأبيض .. و إلى جانب الثقب الأول ظهر بخط طفولي “طرف الساعة التحتاني ” .. أما الثقب السفلي ظهر بجانبه “ما فوق الطرف التحتاني” !!
ما هذا الأمر !! ؟؟ لا أكاد أفهم .. أين المكان الأصلي للساعة .. نظرت إلى الصورة الصغيرة الموضوعة فوق مكتبي و ذهبت إليها .. دققت النظر فيها .. ها أنا ذا أقف فيها و أنا في السادسة من عمري .. أستند إلى الحائط و فوقي الساعة .. و لا يحتاج الأمر إلى لقليل من العلم بمقياس الرسم كي أفهم أن وضع الساعة الأصلي هو وضع الساعة في الصورة هو الوضع ذاته الذي كانت عليه عندما حركتها أنا قبل دقائق ..

جلست على السرير أفكر .. إن كان هذا هو وضع الساعة منذ ولدت .. فأنا يوم لمستها لم أصل إليها لأنني صرت أطول .. بل لأن أحدهم حركها كي يعطيني دفعة لأعلي .. و دفعة نفسيه للأمام .. أحدهم أرادني أن أصل .. أرادني أن أكمل ما بدأته .. أو هي “أرادت” أن أصل إليها .. فجأة تذكرت كلمات حفظتها يوم قالتها لي ” الطول طول بصيرة يخليك تشوفي و لأبعد مدى و تفهمي اللي حصل و اللي هايحصل و طول ذوق يخليك تحترمي اللي قدامك و طول بال ع اللي تاعبك و مضايقك و طول حيلة يخليك تعرفي تتصرفي و تطلعي من الحفر اللي هاتقعي فيها و تبقى مؤمنة ان ربنا هايسهل لك كل السبل و يطوعلك من عبيده كتير عشان توصلي لهدفك .. و طول نفس .. عشان تكملي للآخر !!”

ابتسمت في نفسي و حبست دمعات صغيرات في عيني و أنا أنظر للصورة في يدي اليمني و للساعة في أختها اليسرى .. أملت جسدي خارج السرير و نظرت من باب الغرفة لتلك التي حركت ساعتي و حركت عقارب عقلي و نفسي معها .. نظرت فوجدت أمي جالسة على مقعدها تقرأ كتابا ما .. لم تلحظني .. ابتسمت .. و دعوت الله أن يرزقها طول العمر .. و يرزقني طول النفس .. عشان أكمل للآخر !!

*ECG Device و هو جهاز تخطيط ضربات القلب
تمت
داليا حازم
الثلاثاء 13 – 08 – 2013

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: